محمد حسين هيكل

78

حياة محمد ( ص )

الفصل الثالث محمد : من ميلاده إلى زواجه زواج عبد اللّه من آمنة - وفاة عبد اللّه - مولد محمد - رضاعه في بني سعد - قصة الملكين - مقامه خمس سنوات بالبادية - موت آمنة - كفالة عبد المطلب إياه - موت عبد المطلب - كفالة أبي طالب إياه - خروجه إلى الشام في الثانية عشرة من عمره - حرب الفجار - رعية الغنم - خروجه في تجارة خديجة إلى الشام - زواجه بخديجة . زواج عبد اللّه من آمنة كان عبد المطلب قد جاوز السبعين أو ناهزها حين حاول أبرهة مهاجمة مكة وهدم البيت العتيق . وكان ابنه عبد اللّه في الرابعة والعشرين من سنه . فرأى أن يزوّجه ، فاختار له آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة سيد بني زهرة إذ ذاك سنّا وشرفا . وخرج به حتى أتى منازل بني زهرة ودخل وإياه عند وهب وخطب إليه ابنته . ويذهب بعض المؤرخين إلى أنه إنما ذهب إلى أهيب عم آمنة ؛ لأن أباها كان هلك وكانت هي في كفالة عمها . وفي اليوم الذي تزوّج عبد اللّه فيه من آمنة تزوج عبد المطلب من ابنة عمها هالة ، فأولدها حمزة عمّ النبيّ وضريبه في سنه . وأقام عبد اللّه مع آمنة في بيت أهلها ثلاثة أيام ، على عادة العرب حين يتم الزواج في بيت العروس . فلما انتقل وإياها إلى منازل بني عبد المطلب لم يقم معها طويلا ، إذ خرج في تجارة إلى الشام ، وتركها حاملا ، وتختلف الروايات في أمر عبد اللّه وهل تزوج غير آمنة ، وهل عرضت عليه نساء غيرها أنفسهن . والوقوف لتقصيّ أمثال هذه الروايات لا غناء فيه . وكل ما يمكن الاطمئنان إليه أن عبد اللّه كان شابّا وسيما قويّا ؛ فلم يكن عجبا أن تطمع غير آمنة في الزواج منه . فلما بنى بها تقطّعت بغيرها أسباب الأمل ولو إلى حين . ومن يدري ، لعلهن قد انتظرن أوبته من رحلته إلى الشام ليكنّ زوجات له مع آمنة . ومكث عبد اللّه في رحلته هذه الأشهر التي يقتضيها الذهاب إلى غزّة والعود منها ، ثم عرّج على أخواله بالمدينة يستريح عندهم من وعثاء السفر ليقوم بعد ذلك في قافلة إلى مكة ؛ لكنه مرض عند أخواله فتركه رفاقه ؛ حتى إذا بلغوا مكة أخبروا أباه بمرضه . ولم يلبث عبد المطلب حين سمع منهم أن أوفد الحارث أكبر بنيه إلى المدينة ليعود بأخيه بعد إبلاله . وعلم الحارث حين بلغ المدينة أن عبد اللّه مات ودفن بها بعد شهر من مسير القافلة إلى مكة ، فرجع أدراجه ينعي أخاه إلى أهله ويثير من قلب عبد المطلب ومن قلب آمنة همّا وشجنا ، لفقد زوج كانت آمنة ترجو في حياته هناءة وسعادة . وكان عبد المطلب عليه حريصا حتى افتداه من آلهته فداء لم تسمع العرب من قبل بمثله .